ريادة أعمال

فقاعة الدوت-كوم والذكاء الاصطناعي: هل يشبه اليوم البارحة؟

أوجه تشابه كثيرة بين فقاعة الدوت كوم في التسعينات والذكاء الاصطناعي حالياً.. فماذا حدث وقتها؟ وهل يمكن أن يحدث مع الذكاء الاصطناعي أيضاً؟

future صورة تعبيرية (فقاعة الدوت-كوم والذكاء الاصطناعي)

في عام 1998 انطلقت شركة «Pets.com» كمتجر إلكتروني يبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة ويوصلها إلى منازل العملاء. استفادت الشركة آنذاك من رواج الاستثمار في الشركات التي تعتمد على الإنترنت، وحصلت على استثمارات من أمازون ومستثمرين آخرين.

في غضون عامين أسست الشركة بنية تحتية قوية لعملياتها بإنشاء مستودعات كبيرة وتركيز على عمليات الشحن، ونفذت حملات دعائية متنوعة في مدن مختلفة ساهمت في بناء علامتها التجارية وانتشار اسمها لدى الجمهور.

وأخيراً في أوائل عام 2000 طُرحت الشركة للاكتتاب العام بسعر 11 دولاراً للسهم، وأيضاً في العام ذاته اشترت أكبر منافس لها في هذا الوقت «Petstore.com». قصة نجاح مبهرة، أليس كذلك؟ هذه القصة ستنتهي في العام ذاته بسرعة شديدة، وينهار سهم الشركة إلى أقل من دولار واحد.

وفي نهاية العام قدمت طلباً لإعلان الإفلاس، وانكشفت الحقيقة للجميع، الشركة التي فعلت كل شيء لكنها ببساطة تجاهلت شيئاً واحداً؛ ربحية نموذج عملها، فقد كانت تبيع منتجاتها بخسارة بسبب تكلفة الشحن العالية، واستنزفت كل ما تملكه من سيولة، فقد أحرقت الشركة تقريباً ما يزيد عن 300 مليون دولاراً في هذه الفترة.

السؤال المنطقي؛ لماذا لم ينتبه أحد لنموذج عمل الشركة وهو العنصر الأكثر أهمية لدى أي شركة ناشئة؟ ولماذا تجاهل الجميع عدم وجود خطة عمل واضحة للشركة سوى الإنفاق المفرط لأموال المستثمرين؟ وإجابة هذا السؤال هي؛ فقاعة الدوت-كوم. فما هي هذه الفقاعة؟ وما الرابط بينها وبين الذكاء الاصطناعي؟

فقاعة الدوت-كوم: عندما هيمنت التقنية على كل شيء

شهد النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي ارتفاعاً مفاجئاً في قيمة شركات التقنية، التي يُشار إليها باسم «دوت كوم» نتيجة لانتشار النطاق المعروف للشركات على الإنترنت «.com». أنفق المستثمرون مليارات الدولارات للاستثمار في الشركات الناشئة التقنية، وكانت المشكلة واضحة؛ هذه الشركات لا تملك نموذج عمل ربحي واضح.

لكن بالطبع غطى حماس المستثمرون على هذه الجزئية، إذ كان لديهم اعتقاداً بأن الإنترنت سيغير تفاعل الجمهور جذرياً، وسرعان ما ستنكشف فرصاً واضحة لتحقيق الإيرادات. وبمزيج من الثقة الزائدة بين المستثمرين والخوف من فقدان أرباح محتملة في المستقبل، ضخّوا أموالهم دون تدقيق كافي ولا فحص لنماذج عمل هذه الشركات؛ ظناً منهم أن وجود النطاق «.com» سيساعد الشركة على تحقيق النجاح.

وبحلول عام 1999 وُجهت 39% من جميع استثمارات رأس المال المخاطر إلى شركات الإنترنت. واتصفت هذه الفترة بأربعة صفات رئيسة:

أولاً: إدراج العديد من الشركات الناشئة التقنية في البورصة وطرحها للاكتتاب العام مبكراً، وقد شجع حدوث هذه الفكرة اكتتاب شركة تطوير متصفحات الويب «Netscape» في عام 1995، الذي يعد غالباً السبب الرئيس لبدء الفقاعة، فالشركة رغم أنها كانت تعمل بخسارة وقتها، لكنها طُرحت بسعر 28 دولاراً للسهم، وفي نفس اليوم بلغ سعر السهم 58 دولاراً، وتجاوزت قيمتها السوقية 2.5 مليار دولار.

ثانياً: المبالغة في تقييم الشركات، إذ شهدت العديد من الشركات ارتفاعاً كبيراً في سعر سهمها، حتى في غياب الخطة الواضحة لتحقيق الربحية، طالما أن فكرة الشركة مرتبطة بالإنترنت.

ثالثاً: حرق نقدي ضخم لأموال المستثمرين لتحقيق النمو السريع، فأنفقت الشركات الملايين على التسويق وجذب العملاء، حتى لو اضطرت لتقديم خدماتها مجاناً في سبيل بناء قاعدة عملاء يمكن تحقيق الإيرادات منها مستقبلاً.

رابعاً: التغطية الإعلامية المبالغ بها التي زادت حماس الجمهور العادي، الذي شعر بأنه يمكنه استثمار أمواله في شراء أسهم هذه الشركات، فهي ستكون وسيلته لتحقيق الثراء السريع، فلا يمكن أن يخسروا في صناعة تنمو بسهولة.

انفجار الفقاعة: نهاية الحلم وبداية الكابوس

كان أحد الأسباب الرئيسة لحدوث الفقاعة هو أسعار الفائدة المنخفضة التي حافظ عليها الاحتياطي الفيدرالي في هذه الفترة، وهذا سهل مهمة الشركات الناشئة في الحصول على تمويلات. ولكن بالطبع لم يستمر الأمر، فقد عاد الاحتياطي الفيدرالي ورفع أسعار الفائدة للحد من التضخم، وهذا صعّب على الشركات مهمتها في الحصول على استثمارات جديدة.

وانفجرت الفقاعة كلياً في مارس عام 2000، فقد أدرك المستثمرون ضرورة تدقيقهم في الشركات، واستوعبوا الحقيقة التي تجاهلوها سابقاً، أن العديد من الشركات لم تكن لديها خطة واضحة لتحقيق الربحية. ومع سعر الفائدة العالي، باع الكثيرون منهم أسهمهم في هذه الشركات، وعادوا إلى استثمارات أكثر أماناً مثل السندات.

وظهر التقييم الحقيقي لهذه الشركات فانهارت أسهمها التي لم تكتسب قيمة عالية سوى بالمبالغة في تقييمها، ما أدى إلى انهيار في سوق الأسهم وتحقق خسائر بالمليارات، وفي النهاية أعلنت العديد من الشركات إفلاسها، وأغلقت العديد منها تماماً، والأكثر حظاً بينها استُحوذ عليها بأسعار منخفضة.

صحيح أن هناك العديد من الشركات التي نجت من هذه الفقاعة، وخرجت منها أقوى لتصبح لاعباً رئيساً في أسواقها مثل «أمازون»، لكن تراجعت الاستثمارات في الشركات الناشئة التقنية، وخُلقت بيئة استثمارية أكثر حذراً لسنوات عديدة.

الذكاء الاصطناعي: افتراضات الربحية التي ينقصها تأكيد الواقع

في نهايات نوفمبر من عام 2022، خرج «ChatGPT» إلى النور، روبوت محادثة يستخدم الذكاء الاصطناعي من تطوير شركة «OpenAI»، وهذا الروبوت مبني على نماذج اللغة الكبيرة الأساسية LLMs. في أعقاب هذا الإطلاق انطلقت العديد من الأدوات الأخرى، ودخلت الشركات الكبرى على الخط أيضاً لإطلاق أدواتها الخاصة.

اليوم وبعد مرور عامين على هذه النقطة الفارقة، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً رئيساً من عمل أغلب الشركات، فكل شركة تلصقه بعملها حتى وإن لم يكن ذلك حقيقياً، والجميع يدرك أن هذا يكفي لجذب المستثمرين وإقناعهم بدفع أموالهم للحاق بالمستقبل، والسؤال: هل الصورة وردية حقاً؟

لا تزال الشركات الناشئة تخطو خطواتها الأولى مع الذكاء الاصطناعي، لكن الحقيقة أن محاولة فهم الواقع يمكن تحقيقها مع الشركة الأكثر نضجاً في هذا المجال؛ شركة «OpenAI». في تصريح لها مع موقع «Business Insider»، قالت «كيت ليمان» كبيرة المحللين في «AvaTrade»:

«يتطلب تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم الكثير من الوقت والأموال، ولذلك من المتوقع مواجهة «OpenAI» تكلفة عالية قبل البدء في تحقيق الأرباح».

تصف هذه المقولة الوضع الحالي لشركة «OpenAI»، التي لا زالت لم تصل إلى الربحية بعد، لكنها تنفق الكثير في سبيل تحقيق أهدافها، وقد حصلت مؤخراً على أعلى جولة تمويل في التاريخ بقيمة 6.6 مليار دولار.

حسب تقرير أصدره موقع «The Information»، تشير التوقعات أن شركة «OpenAI» سيكون بإمكانها تحقيق الربحية في عام 2029 بعد خمسة أعوام من الآن، إذ في الفترة بين عامي 2023 و2028 ستحقق خسائر بقيمة 44 مليار دولار، ولكنها ستعود لتعويض كل خسائرها السابقة وتحقق الأرباح في عام 2029، وستقدر إيراداتها في هذا العام بـ100 مليار دولار.

إذاً ببساطة، لا تزال الشركة بحاجة إلى المزيد من الإنفاق حتى تنجح في تحقيق الأرباح، صحيح أن الشركة تؤمن بأنه يمكنها الوصول إلى الربحية في عام 2026، لكن في النهاية كل هذا يطرح تساؤلاً مهماً: هل الربحية ممكنة حقاً في هذا المجال أم نحن فقط نشهد فقاعة جديدة؟

فقاعة الدوت-كوم والذكاء الاصطناعي: هل يشبه اليوم البارحة؟

عند النظر إلى فقاعة الدوت-كوم والذكاء الاصطناعي، لا شك أننا سنجد تشابهات كثيرة بينهما، أهمها اتجاه المستثمرين نحو تمويل الشركات الناشئة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، مثلما كان الحال مع الاستثمار في الشركات التي تستخدم الإنترنت في وقت الفقاعة، والاثنان يشتركان في المشكلة الرئيسة؛ تجاهل الربحية الحقيقية لنموذج العمل، مع التقييم المبالغ به للشركات.

وهذا ما يجعل الكثيرون يتساءلون: هل يشبه اليوم البارحة؟ وهل يمكن في السنوات اللاحقة أن نكتشف فقاعة جديدة تؤدي إلى انهيار في الأسواق مثلما حدث في بداية الألفية الحالية؟

يؤمن الكثيرون بأنّ هذا الأمر لن يتكرر، على الأقل ليس بصورة مماثلة لما حدث سابقاً، فمثلاً يرى «إريك جوردون» أستاذ في «كلية روس لإدارة الأعمال بجامعة ميشيغان» أن رواد فترة الدوت-كوم كانوا أغلبهم شركات ناشئة صغيرة، وهذا أدى إلى إفلاسهم وخروجهم من السوق تماماً.

في حين أن الفترة الحالية تضم شركات رائدة مثل «مايكروسوفت» و«ألفابت» (الشركة الأم لجوجل)، وبالتالي يمكن لهذه الشركات الصمود وتحمل الخسائر. بالتالي فهي لن تخرج من السوق، صحيح قد تخسر مليارات الدولارات على حسب تعريف جوردون، لكنها في النهاية لن تفلس وستستمر في عملها. بالإضافة طبعاً لنضج السوق ذاته حالياً عما سبق، وهذا يجعل جميع الأطراف في المعادلة أكثر حذراً.

ربما تعدنا علامات الطمأنينة هذه برؤية مغايرة عمّا سبق، لكنها لا زالت غير كافية لتقديم إجابة نهائية على تساؤل الفقرة، والآن لا يمكننا سوى انتظار المستقبل، فهو وحده كفيل بالإجابة الفعلية على هذا السؤال.

# ريادة أعمال # الذكاء الاصطناعي

النماذج اللغوية الضخمة: أية أخلاق مرشحة لتحكم العالم
2024: طفرة الذكاء الاصطناعي ولحظات الكارثة
غزة: هذا الموت يأتيكم برعاية أسلحة الذكاء الاصطناعي

ريادة أعمال